كتاب دراسات نقدية في فلسفة الدينالمكتبة التجريبية

كتاب دراسات نقدية في فلسفة الدين

مع كتابه الجديد "دراسات نقدية في فلسفة الدين" الصادر عن "دار النهار" في 272 صفحة، بات الدكتور أديب صعب يتربع على خماسية متكاملة في هذا الموضوع صادرة عن الدار نفسها. وكان المؤلف استهل أعماله بكتاب "الدين والمجتمع" 1983، وهو الكتاب العربي الأول في حقل فلسفة الدين. بل كان قبل ذلك، في نطاق عمله كأستاذ جامعي في الفلسفة، افتتح هذا الموضوع عربياً يوم اعتمد فلسفة الدين كمادة تعليمية في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي (جامعة البلمند) بدءاً من خريف العام 1973. يذكّر المؤلف، في المقدمة الوافية التي وضعها لكتابه الجديد، بأن هناك مقاربتين لدراسة الدين: المقاربة اللاهوتية والمقاربة العلمية. الاولى تنطلق من دين معين، كالمسيحية أو الاسلام أو الهندوسية، والثانية تنطلق من "الدين كدين"، أي من العناصر المشتركة بين الأديان. ويشير الى سوء فهم الكثير من الناس، حتى من بين المثقفين والمختصين، للفلسفة على أنها مرتبطة بالالحاد، موضحاً أنها حيادية لجهة الايمان والتشكيك والالحاد، وأن الفيلسوف يستطيع اعتماد الحجة الفلسفية دفاعاً عن أي موقف يتخذه من الدين. فمن الجائر قصر صفة "فيلسوف" على مفكرين غير مؤمنين مثل فويرباخ وماركس وراسل، وحجب هذه الصفة عن مفكرين مؤمنين، يسمّي صعب منهم أشخاصاً مثل وليم تمبل، الذي كان رئيس أساقفة كنتربري في ثلاثينات القرن العشرين، وتشارلز كولسون، الذي كان عالِماً وأستاذاً للكيمياء في جامعة أكسفورد حتى سبعينات القرن. الاثنان دافعا فلسفياً عن النظرة الايمانية الى العالم، ليس من منظار إيمانهما المسيحي بل من منظار محض فلسفي: الأول في كتاب له بعنوان "الطبيعة والانسان والله"، والثاني في كتاب حول العلم والايمان. في كل حال، يذكّرنا أديب صعب بأنه يعتمد المقاربة العلمية أو "الوصفيّة" (الفينومينولوجية) للدين، متمنياً على أصحاب المقاربة اللاهوتية الافادة من المقاربة الاخرى لتصحيح بعض الأخطاء التي طالما وقع فيها المدافعون الدينيون التقليديون عن أديانهم، وفي مقدمها الخطأ الذي يسميه المؤلف "النظرة الإلغائية"، أي اعتبار دينهم وحده الدين الصحيح أو الأصح، واعتبار الأديان الاخرى أقل صحة أو محض رسالات في الأخلاق والاصلاح الاجتماعي. وهذا يشبه دعوة بعض المفكرين الدينيين المسلمين الى "علم كلام جديد" متأثر بالفلسفة، بعدما سبقهم مفكرون مسيحيون في الغرب الى تزكية "لاهوت جديد" بأثر من الفلسفة أيضاً. انطلاقاً من أن الكتاب مقالة أو دراسة نقدية في فلسفة الدين، يحمل الفصل الأول عنوان "التفكير النقدي". بدايةً، يوضح المؤلف أن النقد لا يعني الرفض، لكنه يعني الدفاع المنطقي عن أي فكرة يمكن أن نقبلها أو نرفضها. بعد تحديده التفكير النقدي بأنه "بناء المعارف والأحكام والمواقف والقيم على العقل، والتحري الدائم عن صحتها أو ملاءمتها في ضوء العقل"، يقول صعب إنه، "باستثناء البديهيات المنطقية كما في قولنا إن الكل أكبر من الجزء وإنه يستحيل وجود دائرة مربعة، ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء إلا لأن اسماً كبيراً اقترحه أو اعتنقه". وعلى الرغم من أهمية "النتيجة التي يوصلنا إليها التحرّي المنطقي، لكن لا يقل عنها أهمية عملية الاستنتاج". ويعطي أمثلة مستفيضة عن مبدعين عرب وغربيين في مجالات مختلفة تميزوا بالتفكير النقدي، رابطاً النهضات الفكرية التي حصلت في التاريخ بهذا النوع من التفكير، مع الاشارة الى أن النهضة العربية حصلت خلال العصر العباسي، قبل قرون من حصولها في الغرب، ومن أعلامها في الفكر الديني أبو الريحان البيروني. ويذكر المؤلف ثلاث مسائل في فلسفة الدين للدلالة على أن قبولها من كثيرين خارج النظر النقدي يؤدي إلى إقامة الايمان أو عدم الايمان على أسس ركيكة. وهذه المسائل هي: الايمان والعقل، الدين والعلم، الأديان الاخرى والحوار. بعد طرحه منهجاً موحداً لفهم الدين يمكن النظر الى كل الأديان في ضوئه من غير أن يخفض الدين الى أخلاق أو يُخضِع الأديان الى دين واحد، يكرر صعب مقولته الشهيرة، وهي أن هدف الحوار الديني ليس تحويل من نحاوره الى ديننا بل هو "اكتشاف الدين في الأديان" أو "اكتشاف الوحدة في التنوع". وبناء على منهجه، يحلل المؤلف مسائل أساسية في فلسفة الدين قائمة على أسئلة مثل: كيف نستطيع معرفة "الفرقة الناجية"؟ هل هناك أنظمة اخرى يمكن أن تجرّد الدين من شرعيته، مثل الأخلاق والعلم؟ ما هي الطريقة المثلى لتعليم الدين في المدارس؟ ويعطينا أجوبة منطقية مقنعة عن هذه الأسئلة والمسائل. من هذه الأجوبة أن "الفرقة الناجية" ليست أياً من المذاهب الدينية هنا على الأرض، بل هي مجموعة أفراد من كل المذاهب ومن خارجها استطاعوا أن يحققوا شروط "الخلاص" كما يصفها المؤلف بإقناع. من أجوبته الفريدة، المعنى الجديد الذي يعطيه للتعددية الاجتماعية، والذي نجد فيه حلاً لمشكلات اجتماعية وسياسية ودينية مزمنة، وهو "التعدد بالمعنى العددي" كما يسميه، أي أن كل مجتمع هو تعددي شاء أم أبى، وإن انتمى أفراده إلى دين أو مذهب واحد، إذ لا يمكن فرض الايمان ولا تفسير الايمان على الناس. وهذا، في رأيه، هو المعنى الوحيد للتعددية الذي يحافظ على قيم الحرية والعدالة والمساواة واحترام كرامة الانسان. ومن أجوبته أيضاً أن سوء فهم العلم والدين يسفر عن أوهام عن كلا الجانبين. ويقترح خطة لإزالة هذه الأوهام قائمة على التفكير النقدي المنهجي ومحتكمة إلى التعليم والإعلام. الفصلان الأخيران في الكتاب يتناولان مساهمة أديب صعب في فلسفة الدين. في الأول، وهو بعنوان "الدراسات الدينية في الثقافة العربية الراهنة"، يأسف المؤلف لكون معظم ما هو منشور في الكتب العربية، وبعضها يسمي نفسه عملاً موسوعياً، ترجمة عن لغات أجنبية وليس تأليفاً موضوعاً أصلاً بالعربية. ويطرح المعايير الآتية للحكم على أي كتاب عربي يصدر في الموضوع: "هل الكتاب نتيجة بحث واجتهاد شخصيين؟ هل هو ترجمة غير معلَنة على غرار الكثير من الكتب "الأكاديمية" العربية؟ هل يقف مع أفضل المؤلفات العالمية في حقله؟ هل تحافظ لغته، على مستوى الاختصاص المسؤول ومستوى مخاطبة القارئ العام غير المختص؟". صحيح أن المؤلف استمد هذه المعايير من كتاباته. لكن هذا حق مطلق له، إذ إن كتاباته تلبّي أرفع المعايير العلمية. أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان "ردّ على نقّادي"، مختتماً عمله الممتاز هذا، كما بدأه، بالتفكير النقدي الذي يسري في كل صفحات الكتاب ومناقشاته. خلاصة القول أننا، مع خماسية أديب صعب التي اكتملت بدراساته النقدية، صار لدينا نظام فلسفي عربي يمكن أن نسميه بكل ثقة وفخر "فلسفة الدين"، وسط مؤلفات تنسب نفسها الى هذا الموضوع، وهي إما مترجمة عن لغات اخرى وإما منطلقة من دين معين، تنتمي إليه أكثر من انتمائها الى الفلسفة.
أديب صعب - ❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ مملكتي ليست من هذا العالم ❝ ❞ مملكتي ليست من هذا العالم ❝ ❞ دراسات نقدية في فلسفة الدين ❝ الناشرين : ❞ دار النهار للطباعة والنشر والتوزيع ❝ ❱
من كتب دينية وفكرية الفكر والفلسفة - مكتبة المكتبة التجريبية.

وصف الكتاب : مع كتابه الجديد "دراسات نقدية في فلسفة الدين" الصادر عن "دار النهار" في 272 صفحة، بات الدكتور أديب صعب يتربع على خماسية متكاملة في هذا الموضوع صادرة عن الدار نفسها. وكان المؤلف استهل أعماله بكتاب "الدين والمجتمع" 1983، وهو الكتاب العربي الأول في حقل فلسفة الدين. بل كان قبل ذلك، في نطاق عمله كأستاذ جامعي في الفلسفة، افتتح هذا الموضوع عربياً يوم اعتمد فلسفة الدين كمادة تعليمية في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي (جامعة البلمند) بدءاً من خريف العام 1973.


يذكّر المؤلف، في المقدمة الوافية التي وضعها لكتابه الجديد، بأن هناك مقاربتين لدراسة الدين: المقاربة اللاهوتية والمقاربة العلمية. الاولى تنطلق من دين معين، كالمسيحية أو الاسلام أو الهندوسية، والثانية تنطلق من "الدين كدين"، أي من العناصر المشتركة بين الأديان. ويشير الى سوء فهم الكثير من الناس، حتى من بين المثقفين والمختصين، للفلسفة على أنها مرتبطة بالالحاد، موضحاً أنها حيادية لجهة الايمان والتشكيك والالحاد، وأن الفيلسوف يستطيع اعتماد الحجة الفلسفية دفاعاً عن أي موقف يتخذه من الدين.

فمن الجائر قصر صفة "فيلسوف" على مفكرين غير مؤمنين مثل فويرباخ وماركس وراسل، وحجب هذه الصفة عن مفكرين مؤمنين، يسمّي صعب منهم أشخاصاً مثل وليم تمبل، الذي كان رئيس أساقفة كنتربري في ثلاثينات القرن العشرين، وتشارلز كولسون، الذي كان عالِماً وأستاذاً للكيمياء في جامعة أكسفورد حتى سبعينات القرن. الاثنان دافعا فلسفياً عن النظرة الايمانية الى العالم، ليس من منظار إيمانهما المسيحي بل من منظار محض فلسفي: الأول في كتاب له بعنوان "الطبيعة والانسان والله"، والثاني في كتاب حول العلم والايمان.

في كل حال، يذكّرنا أديب صعب بأنه يعتمد المقاربة العلمية أو "الوصفيّة" (الفينومينولوجية) للدين، متمنياً على أصحاب المقاربة اللاهوتية الافادة من المقاربة الاخرى لتصحيح بعض الأخطاء التي طالما وقع فيها المدافعون الدينيون التقليديون عن أديانهم، وفي مقدمها الخطأ الذي يسميه المؤلف "النظرة الإلغائية"، أي اعتبار دينهم وحده الدين الصحيح أو الأصح، واعتبار الأديان الاخرى أقل صحة أو محض رسالات في الأخلاق والاصلاح الاجتماعي. وهذا يشبه دعوة بعض المفكرين الدينيين المسلمين الى "علم كلام جديد" متأثر بالفلسفة، بعدما سبقهم مفكرون مسيحيون في الغرب الى تزكية "لاهوت جديد" بأثر من الفلسفة أيضاً.

انطلاقاً من أن الكتاب مقالة أو دراسة نقدية في فلسفة الدين، يحمل الفصل الأول عنوان "التفكير النقدي". بدايةً، يوضح المؤلف أن النقد لا يعني الرفض، لكنه يعني الدفاع المنطقي عن أي فكرة يمكن أن نقبلها أو نرفضها. بعد تحديده التفكير النقدي بأنه "بناء المعارف والأحكام والمواقف والقيم على العقل، والتحري الدائم عن صحتها أو ملاءمتها في ضوء العقل"، يقول صعب إنه، "باستثناء البديهيات المنطقية كما في قولنا إن الكل أكبر من الجزء وإنه يستحيل وجود دائرة مربعة، ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء إلا لأن اسماً كبيراً اقترحه أو اعتنقه".

وعلى الرغم من أهمية "النتيجة التي يوصلنا إليها التحرّي المنطقي، لكن لا يقل عنها أهمية عملية الاستنتاج". ويعطي أمثلة مستفيضة عن مبدعين عرب وغربيين في مجالات مختلفة تميزوا بالتفكير النقدي، رابطاً النهضات الفكرية التي حصلت في التاريخ بهذا النوع من التفكير، مع الاشارة الى أن النهضة العربية حصلت خلال العصر العباسي، قبل قرون من حصولها في الغرب، ومن أعلامها في الفكر الديني أبو الريحان البيروني. ويذكر المؤلف ثلاث مسائل في فلسفة الدين للدلالة على أن قبولها من كثيرين خارج النظر النقدي يؤدي إلى إقامة الايمان أو عدم الايمان على أسس ركيكة. وهذه المسائل هي: الايمان والعقل، الدين والعلم، الأديان الاخرى والحوار.

بعد طرحه منهجاً موحداً لفهم الدين يمكن النظر الى كل الأديان في ضوئه من غير أن يخفض الدين الى أخلاق أو يُخضِع الأديان الى دين واحد، يكرر صعب مقولته الشهيرة، وهي أن هدف الحوار الديني ليس تحويل من نحاوره الى ديننا بل هو "اكتشاف الدين في الأديان" أو "اكتشاف الوحدة في التنوع". وبناء على منهجه، يحلل المؤلف مسائل أساسية في فلسفة الدين قائمة على أسئلة مثل: كيف نستطيع معرفة "الفرقة الناجية"؟ هل هناك أنظمة اخرى يمكن أن تجرّد الدين من شرعيته، مثل الأخلاق والعلم؟ ما هي الطريقة المثلى لتعليم الدين في المدارس؟ ويعطينا أجوبة منطقية مقنعة عن هذه الأسئلة والمسائل.

من هذه الأجوبة أن "الفرقة الناجية" ليست أياً من المذاهب الدينية هنا على الأرض، بل هي مجموعة أفراد من كل المذاهب ومن خارجها استطاعوا أن يحققوا شروط "الخلاص" كما يصفها المؤلف بإقناع. من أجوبته الفريدة، المعنى الجديد الذي يعطيه للتعددية الاجتماعية، والذي نجد فيه حلاً لمشكلات اجتماعية وسياسية ودينية مزمنة، وهو "التعدد بالمعنى العددي" كما يسميه، أي أن كل مجتمع هو تعددي شاء أم أبى، وإن انتمى أفراده إلى دين أو مذهب واحد، إذ لا يمكن فرض الايمان ولا تفسير الايمان على الناس.

وهذا، في رأيه، هو المعنى الوحيد للتعددية الذي يحافظ على قيم الحرية والعدالة والمساواة واحترام كرامة الانسان. ومن أجوبته أيضاً أن سوء فهم العلم والدين يسفر عن أوهام عن كلا الجانبين. ويقترح خطة لإزالة هذه الأوهام قائمة على التفكير النقدي المنهجي ومحتكمة إلى التعليم والإعلام.

الفصلان الأخيران في الكتاب يتناولان مساهمة أديب صعب في فلسفة الدين. في الأول، وهو بعنوان "الدراسات الدينية في الثقافة العربية الراهنة"، يأسف المؤلف لكون معظم ما هو منشور في الكتب العربية، وبعضها يسمي نفسه عملاً موسوعياً، ترجمة عن لغات أجنبية وليس تأليفاً موضوعاً أصلاً بالعربية. ويطرح المعايير الآتية للحكم على أي كتاب عربي يصدر في الموضوع: "هل الكتاب نتيجة بحث واجتهاد شخصيين؟ هل هو ترجمة غير معلَنة على غرار الكثير من الكتب "الأكاديمية" العربية؟ هل يقف مع أفضل المؤلفات العالمية في حقله؟ هل تحافظ لغته، على مستوى الاختصاص المسؤول ومستوى مخاطبة القارئ العام غير المختص؟". صحيح أن المؤلف استمد هذه المعايير من كتاباته.

لكن هذا حق مطلق له، إذ إن كتاباته تلبّي أرفع المعايير العلمية. أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان "ردّ على نقّادي"، مختتماً عمله الممتاز هذا، كما بدأه، بالتفكير النقدي الذي يسري في كل صفحات الكتاب ومناقشاته. خلاصة القول أننا، مع خماسية أديب صعب التي اكتملت بدراساته النقدية، صار لدينا نظام فلسفي عربي يمكن أن نسميه بكل ثقة وفخر "فلسفة الدين"، وسط مؤلفات تنسب نفسها الى هذا الموضوع، وهي إما مترجمة عن لغات اخرى وإما منطلقة من دين معين، تنتمي إليه أكثر من انتمائها الى الفلسفة.

للكاتب/المؤلف : أديب صعب .
دار النشر : دار النهار للطباعة والنشر والتوزيع .
سنة النشر : 2015م / 1436هـ .
عدد مرات التحميل : 639 مرّة / مرات.
تم اضافته في : الأربعاء , 4 مايو 2022م.

ولتسجيل ملاحظاتك ورأيك حول الكتاب يمكنك المشاركه في التعليقات من هنا:

مع كتابه الجديد "دراسات نقدية في فلسفة الدين" الصادر عن "دار النهار" في 272 صفحة، بات الدكتور أديب صعب يتربع على خماسية متكاملة في هذا الموضوع صادرة عن الدار نفسها. وكان المؤلف استهل أعماله بكتاب "الدين والمجتمع" 1983، وهو الكتاب العربي الأول في حقل فلسفة الدين. بل كان قبل ذلك، في نطاق عمله كأستاذ جامعي في الفلسفة، افتتح هذا الموضوع عربياً يوم اعتمد فلسفة الدين كمادة تعليمية في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي (جامعة البلمند) بدءاً من خريف العام 1973.


يذكّر المؤلف، في المقدمة الوافية التي وضعها لكتابه الجديد، بأن هناك مقاربتين لدراسة الدين: المقاربة اللاهوتية والمقاربة العلمية. الاولى تنطلق من دين معين، كالمسيحية أو الاسلام أو الهندوسية، والثانية تنطلق من "الدين كدين"، أي من العناصر المشتركة بين الأديان. ويشير الى سوء فهم الكثير من الناس، حتى من بين المثقفين والمختصين، للفلسفة على أنها مرتبطة بالالحاد، موضحاً أنها حيادية لجهة الايمان والتشكيك والالحاد، وأن الفيلسوف يستطيع اعتماد الحجة الفلسفية دفاعاً عن أي موقف يتخذه من الدين. 

فمن الجائر قصر صفة "فيلسوف" على مفكرين غير مؤمنين مثل فويرباخ وماركس وراسل، وحجب هذه الصفة عن مفكرين مؤمنين، يسمّي صعب منهم أشخاصاً مثل وليم تمبل، الذي كان رئيس أساقفة كنتربري في ثلاثينات القرن العشرين، وتشارلز كولسون، الذي كان عالِماً وأستاذاً للكيمياء في جامعة أكسفورد حتى سبعينات القرن. الاثنان دافعا فلسفياً عن النظرة الايمانية الى العالم، ليس من منظار إيمانهما المسيحي بل من منظار محض فلسفي: الأول في كتاب له بعنوان "الطبيعة والانسان والله"، والثاني في كتاب حول العلم والايمان.

في كل حال، يذكّرنا أديب صعب بأنه يعتمد المقاربة العلمية أو "الوصفيّة" (الفينومينولوجية) للدين، متمنياً على أصحاب المقاربة اللاهوتية الافادة من المقاربة الاخرى لتصحيح بعض الأخطاء التي طالما وقع فيها المدافعون الدينيون التقليديون عن أديانهم، وفي مقدمها الخطأ الذي يسميه المؤلف "النظرة الإلغائية"، أي اعتبار دينهم وحده الدين الصحيح أو الأصح، واعتبار الأديان الاخرى أقل صحة أو محض رسالات في الأخلاق والاصلاح الاجتماعي. وهذا يشبه دعوة بعض المفكرين الدينيين المسلمين الى "علم كلام جديد" متأثر بالفلسفة، بعدما سبقهم مفكرون مسيحيون في الغرب الى تزكية "لاهوت جديد" بأثر من الفلسفة أيضاً.

انطلاقاً من أن الكتاب مقالة أو دراسة نقدية في فلسفة الدين، يحمل الفصل الأول عنوان "التفكير النقدي". بدايةً، يوضح المؤلف أن النقد لا يعني الرفض، لكنه يعني الدفاع المنطقي عن أي فكرة يمكن أن نقبلها أو نرفضها. بعد تحديده التفكير النقدي بأنه "بناء المعارف والأحكام والمواقف والقيم على العقل، والتحري الدائم عن صحتها أو ملاءمتها في ضوء العقل"، يقول صعب إنه، "باستثناء البديهيات المنطقية كما في قولنا إن الكل أكبر من الجزء وإنه يستحيل وجود دائرة مربعة، ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء إلا لأن اسماً كبيراً اقترحه أو اعتنقه". 

وعلى الرغم من أهمية "النتيجة التي يوصلنا إليها التحرّي المنطقي، لكن لا يقل عنها أهمية عملية الاستنتاج". ويعطي أمثلة مستفيضة عن مبدعين عرب وغربيين في مجالات مختلفة تميزوا بالتفكير النقدي، رابطاً النهضات الفكرية التي حصلت في التاريخ بهذا النوع من التفكير، مع الاشارة الى أن النهضة العربية حصلت خلال العصر العباسي، قبل قرون من حصولها في الغرب، ومن أعلامها في الفكر الديني أبو الريحان البيروني. ويذكر المؤلف ثلاث مسائل في فلسفة الدين للدلالة على أن قبولها من كثيرين خارج النظر النقدي يؤدي إلى إقامة الايمان أو عدم الايمان على أسس ركيكة. وهذه المسائل هي: الايمان والعقل، الدين والعلم، الأديان الاخرى والحوار.

بعد طرحه منهجاً موحداً لفهم الدين يمكن النظر الى كل الأديان في ضوئه من غير أن يخفض الدين الى أخلاق أو يُخضِع الأديان الى دين واحد، يكرر صعب مقولته الشهيرة، وهي أن هدف الحوار الديني ليس تحويل من نحاوره الى ديننا بل هو "اكتشاف الدين في الأديان" أو "اكتشاف الوحدة في التنوع". وبناء على منهجه، يحلل المؤلف مسائل أساسية في فلسفة الدين قائمة على أسئلة مثل: كيف نستطيع معرفة "الفرقة الناجية"؟ هل هناك أنظمة اخرى يمكن أن تجرّد الدين من شرعيته، مثل الأخلاق والعلم؟ ما هي الطريقة المثلى لتعليم الدين في المدارس؟ ويعطينا أجوبة منطقية مقنعة عن هذه الأسئلة والمسائل. 

من هذه الأجوبة أن "الفرقة الناجية" ليست أياً من المذاهب الدينية هنا على الأرض، بل هي مجموعة أفراد من كل المذاهب ومن خارجها استطاعوا أن يحققوا شروط "الخلاص" كما يصفها المؤلف بإقناع. من أجوبته الفريدة، المعنى الجديد الذي يعطيه للتعددية الاجتماعية، والذي نجد فيه حلاً لمشكلات اجتماعية وسياسية ودينية مزمنة، وهو "التعدد بالمعنى العددي" كما يسميه، أي أن كل مجتمع هو تعددي شاء أم أبى، وإن انتمى أفراده إلى دين أو مذهب واحد، إذ لا يمكن فرض الايمان ولا تفسير الايمان على الناس. 

وهذا، في رأيه، هو المعنى الوحيد للتعددية الذي يحافظ على قيم الحرية والعدالة والمساواة واحترام كرامة الانسان. ومن أجوبته أيضاً أن سوء فهم العلم والدين يسفر عن أوهام عن كلا الجانبين. ويقترح خطة لإزالة هذه الأوهام قائمة على التفكير النقدي المنهجي ومحتكمة إلى التعليم والإعلام.

الفصلان الأخيران في الكتاب يتناولان مساهمة أديب صعب في فلسفة الدين. في الأول، وهو بعنوان "الدراسات الدينية في الثقافة العربية الراهنة"، يأسف المؤلف لكون معظم ما هو منشور في الكتب العربية، وبعضها يسمي نفسه عملاً موسوعياً، ترجمة عن لغات أجنبية وليس تأليفاً موضوعاً أصلاً بالعربية. ويطرح المعايير الآتية للحكم على أي كتاب عربي يصدر في الموضوع: "هل الكتاب نتيجة بحث واجتهاد شخصيين؟ هل هو ترجمة غير معلَنة على غرار الكثير من الكتب "الأكاديمية" العربية؟ هل يقف مع أفضل المؤلفات العالمية في حقله؟ هل تحافظ لغته، على مستوى الاختصاص المسؤول ومستوى مخاطبة القارئ العام غير المختص؟". صحيح أن المؤلف استمد هذه المعايير من كتاباته. 

لكن هذا حق مطلق له، إذ إن كتاباته تلبّي أرفع المعايير العلمية. أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان "ردّ على نقّادي"، مختتماً عمله الممتاز هذا، كما بدأه، بالتفكير النقدي الذي يسري في كل صفحات الكتاب ومناقشاته. خلاصة القول أننا، مع خماسية أديب صعب التي اكتملت بدراساته النقدية، صار لدينا نظام فلسفي عربي يمكن أن نسميه بكل ثقة وفخر "فلسفة الدين"، وسط مؤلفات تنسب نفسها الى هذا الموضوع، وهي إما مترجمة عن لغات اخرى وإما منطلقة من دين معين، تنتمي إليه أكثر من انتمائها الى الفلسفة.



نوع الكتاب : pdf.
اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل دراسات نقدية في فلسفة الدين
أديب صعب
أديب صعب
Adeeb Saab
❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ مملكتي ليست من هذا العالم ❝ ❞ مملكتي ليست من هذا العالم ❝ ❞ دراسات نقدية في فلسفة الدين ❝ الناشرين : ❞ دار النهار للطباعة والنشر والتوزيع ❝ ❱.



كتب اخرى في كتب دينية وفكرية

The War on Terror State Crime Radicalization PDF

قراءة و تحميل كتاب The War on Terror State Crime Radicalization PDF مجانا

سلطة النص: قراءات في توظيف النص الديني PDF

قراءة و تحميل كتاب سلطة النص: قراءات في توظيف النص الديني PDF مجانا

لاكون مع الصادقين PDF

قراءة و تحميل كتاب لاكون مع الصادقين PDF مجانا

المرأة في العرفان الإسلامي والمسيحي حتى القرن الثامن الهجري PDF

قراءة و تحميل كتاب المرأة في العرفان الإسلامي والمسيحي حتى القرن الثامن الهجري PDF مجانا

الحركات الإسلامية في لبنان (إشكالية الدين والسياسة في مجتمع متنوع) PDF

قراءة و تحميل كتاب الحركات الإسلامية في لبنان (إشكالية الدين والسياسة في مجتمع متنوع) PDF مجانا

العقل والحرية: دراسة في فكر القاضي عبدالجبار المعتزلي PDF

قراءة و تحميل كتاب العقل والحرية: دراسة في فكر القاضي عبدالجبار المعتزلي PDF مجانا

اللاهوت العربي وأصول العنف الديني PDF

قراءة و تحميل كتاب اللاهوت العربي وأصول العنف الديني PDF مجانا

فلسفة الدين PDF

قراءة و تحميل كتاب فلسفة الدين PDF مجانا

المزيد من الفكر والفلسفة في مكتبة الفكر والفلسفة , المزيد من النجاح وتطوير الذات في مكتبة النجاح وتطوير الذات , المزيد من مقارنة الأديان في مكتبة مقارنة الأديان , المزيد من السياسة في مكتبة السياسة , المزيد من علم النفس في مكتبة علم النفس , المزيد من الهندسة الشاملة في مكتبة الهندسة الشاملة , المزيد من محمد صلى الله عليه وسلم في مكتبة محمد صلى الله عليه وسلم , المزيد من أوراق المؤتمرات والملتقيات العلمية في مكتبة أوراق المؤتمرات والملتقيات العلمية , المزيد من غير مصنفة في مكتبة غير مصنفة
عرض كل المكتبة التجريبية ..
اقرأ المزيد في مكتبة كتب إسلامية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب تقنية المعلومات , اقرأ المزيد في مكتبة المناهج التعليمية والكتب الدراسية , اقرأ المزيد في مكتبة القصص والروايات والمجلّات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الهندسة والتكنولوجيا , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب والموسوعات العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب تعلم اللغات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التنمية البشرية , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب التعليمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التاريخ , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأطفال قصص ومجلات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الطب , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب العلمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم سياسية وقانونية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأدب , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الروايات الأجنبية والعالمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب اللياقة البدنية والصحة العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأسرة والتربية الطبخ والديكور , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب الغير مصنّفة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب المعاجم واللغات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم عسكرية و قانون دولي
جميع مكتبات الكتب ..